ابن ميثم البحراني
30
شرح نهج البلاغة
الفصل الثاني في الحقيقة والمجاز وفيه أبحاث . البحث الأوّل في معنى الحقيقة والمجاز وحدّهما . الحقيقة فعلية بمعنى مفعولة من الحقّ وهو الثبات وسمّى ما خالف المجاز حقيقة لأنّه مثبت معلوم الدلالة ، والمجاز مفعل من جازه يجوزه إذا تعدّاه ، وإذا عدل باللفظ عن وضعه اللغويّ وصف بأنّه مجاز بمعنى أنّ الذهن انتقل من لفظة إلى المعنى غير معناه فصار موضع الانتقال والمجاوزة ، وأمّا حدّ الحقيقة فأمّا في المفردات فهي كلّ كلمة أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الَّذي وقع التخاطب به ويدخل في ذلك الحقيقة اللغويّة والعرفيّة والشرعيّة فأمّا في الجمل فكلّ جملة وضعتها على أنّ الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل وواقع موقعه فهي حقيقة كقولنا : خلق اللَّه العالم ، وأمّا حدّ المجاز فأمّا في المفرد أيضا وهو ما أفيد به معنى غير ما اصطلح عليه في أصل المواضعة الَّتي وقع التخاطب بها لعلاقة بينه وبين الأوّل ويدخل في ذلك المجاز اللغويّ والعرفيّ والشرعيّ وأمّا في الجمل فكلّ جملة خرج الحكم المفاد بها عن موضوعه في العقل بضرب من التأويل فهو مجاز كقوله تعالى « وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقالَها » . البحث الثاني فيما به يتحقّق المجاز لا بدّ فيه من أمرين أحدهما أن يكون منقولا عن معنى وضع اللفظ بإزائه وإلَّا لبقى حقيقته ، الثاني أن يكون ذلك النقل لمناسبة بين المعنيين وإلَّا لكان في الثاني مرتجلا ، وبهذا يظهر الفرق بين المجار والكذب والدعوى الباطلة ، وذلك لأنّ المبطل إذا أخرج الحكم عن موضعه وأعطاه غير المستحقّ لم يعرف أنّه إنّما أعطاه لكونه فرعا لأصل بل يجزم بأنّ ثبوت الحكم في ذلك الموضع ثبوت أصلي وكذلك الكاذب يدّعى أنّ الأمر على ما وضعه وليس هو من التأويل في شيء والمجاز لم يكن مجازا لأنّه إثبات الحكم لما لا يستحقّه للمناسبة بينه وبين المستحقّ . البحث الثالث في أقسام المجاز : المجاز إمّا أن يقع في اللفظ المفرد فقط أو في المركَّب فقط أو فيهما معا مثال الأوّل إطلاق لفظ الأسد على الرجل الشجاع والحمار على البليد ، وأمّا الثاني وهو أن يستعمل كلّ واحد من الألفاظ المفردة في موضعة الأصلي لكنّ التركيب لا يكون مطابقا لما في الوجود مثاله قوله تعالى « وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقالَها » وقول الشاعر :